أبي الفرج الأصفهاني

62

الأغاني

/ قال : وكان ضلع بني عبس مع جرير ، فقال الفرزدق فيهم هذه الأبيات . هذه رواية أبي عبيدة . وأمّا الأصمعيّ فإنه ذكر ، فيما رواه الأثرم عنه ، قال حدّثني غير واحد من الأعراب أنّ سبب مقتل زهير العبسيّ أنّ ابنه شأس بن زهير وفد إلى بعض الملوك فرجع / ومعه حباء [ 1 ] قد حبي به ، فمرّ بأبيات من بني عامر بن صعصعة وأبيات من بني غنيّ على ماء لبني عامر أو غيرهم - الشكّ من الأصمعيّ - . قال : فاغتسل ، فناداه الغنويّ : استتر ، فلم يحفل بما قال . فقال : استتر ويحك ! البيوت بين يديك ؛ فلم يحفل . فرماه الغنويّ رياح بن الأسكّ بسهم أو ضربه فقتله والحيّ خلوف [ 2 ] ، فاتّبعه أصحاب شأس وهم في عدّة ، فركب الفلاة واتّبعوه فرهقوه [ 3 ] ، فقتل حصينا وأخاه [ 4 ] حصينا ، ثم نجا على وجهه حتى أدركه العطش ، فلجأ إلى منزل عجوز من بني إنسان ( وبنو إنسان حيّ من بني جشم ) . فقالت له العجوز : لا تبرح حتى يأتي بنيّ فيأسروك . قال الأصمعيّ : فأخبرني مخبران اختلفا ؛ فقال أحدهما : إنه أخذ سكَّينا فقطع عصبتي يديها ، وقال الآخر : أخذ حجرا فشدخ به رأسها ، ثم أنشأ يقول : ولأنت أشجع من أسامة أو منّي غداة وقفت للخيل إذ [ 5 ] الحصين لدى الحصين كما عدل الرّجازة جانب الميل وإذا أنهنهها [ 6 ] لأفتلها جاشت ليغلب قولها قولي / قال : فضرب للزمان ضربانه [ 7 ] ، فالتقى خالد بن جعفر بن كلاب وزهير بن جذيمة العبسيّ . فقال خالد لزهير : أما أن لك أن تشتفي وتكفّ ؟ - قال الأصمعيّ : يعني مما قتل بشأس - قال : فأغلظ له زهير وحقّره . قال الأصمعيّ : وأخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيّب أنّ ذلك الكلام بينهما كان بعكاظ عند قريش . فلمّا حقّره زهير وسبّه قال خالد : عسى إن كان ! يتهدّده ثم قال : اللَّهمّ أمكن يدي هذه الشقراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة ثم أعنيّ عليه . فقال زهير : اللهم أمكن يدي هذه البيضاء الطويلة من عنق خالد ثم خلّ بيننا . فقالت قريش : هلكت واللَّه يا زهير ! . فقال : إنكم واللَّه الذين لا علم لكم . قال الأصمعيّ : ثم نرجع إلى حديث العبسيّين والعامريّين ، وبعضه من حديث أبي عمرو بن العلاء . قال : فجاء [ 8 ] أخو امرأة زهير - وكانت امرأته فاطمة بنت الشّريد السّلميّة ، وهي أمّ قيس بن زهير ، وكان زهير قد أساء إليهم في شيء - فجاء أخوها إلى بني عامر فقال : هل لكم في زهير بن جذيمة ينتج إبله ليس معه أحد غير أخيه أسيد بن جذيمة وعبد راع لإبله ! وجئتكم من عنده ، وهذا لبن حلبوه لي . فذاقوه فإذا هو ليس بحازر [ 9 ] ، فعلموا أنّه قريب . فخرج حندج بن البكَّاء وخالد بن جعفر ومعاوية [ 10 ] بن عبادة بن عقيل ، ليس على أحدهم درع غير خالد

--> [ 1 ] الحباء : العطاء . [ 2 ] خلوف : غيب . [ 3 ] رهقوه : غشوه ولحقوه . [ 4 ] هو ابن عمه ، كما تقدّم . [ 5 ] في « الأصول » هنا : « عدل الحصين لدى الحصين . . . » . وقد تقدّمت هذه الأبيات في ص 80 من هذا الجزء مع اختلاف في الرواية . [ 6 ] نهنهه : زجره وكفه . وفلته عن كذا : صرفه ولواه ، مثل لفته عنه . وجاشت : هاجت وغلت كما تجيش القدر . [ 7 ] يقولون : ضرب الدهر ضربانه ، ومن ضربانه ، ومن ضربه إذا ذهب بعضه . [ 8 ] في « الأصول » : « فجاءه » ولا يستقيم بها الكلام . [ 9 ] في « ب ، س » : « بخاثر » . [ 10 ] في « الأصول » : هنا : « وعمرو بن عبادة بن عقيل » . والتصويب مما تقدّم في ص 85 و 87 .